|
جراحة بدون أقنعة
الحل... الآن وليس غدًا
بقلم: توفيق أبو خوصة
صوت الخريجين يعلو ويتصاعد... يطرق الأبواب المغلقة والآذان
الصماء... جيش من الخريجين والخريجات... يهيم بلا بوصلة... يبحث في
زوايا الوطن ودهاليزه عن لقمة خبز كريمة... ينتظر طوق الخلاص من
بحر الإهمال... هذه الطاقات البشرية والأكاديمية المعطلة... حتمًا
ستنفجر إذا لم تجد المتنفس الطبيعي.
سنويًا تُخرّج جامعاتنا آلالاف من الخريجين.. بلا مستقبل... ووزارة
التربية والتعليم العالي... لا حول ولا قوة... في ظل غياب التخطيط
الاستراتيجي والترشيد في التخصصات... أما السياسات العامة للسلطة
الوطنية فلم تأخذ بعين الاعتبار هذا الجيش العاطل عن العمل... الذي
سيتحول إلى جيش كثير الشغب بعد أن أصبح عبئًا صريحًا... سواء على
المستوى العائلي لكل أسرة أو على المستوى المجتمعي العام... بعد
الفشل الذريع في استيعابه وتوظيفه واستثماره في عملية البناء
الوطني... ومن المهم الإشارة إلى أن الطاقة الاستيعابية في التوظيف
على كادر السلطة الوطنية تكاد تصل إلى درجة الصفر... بعد أن طفح
الكيل وبلغ السيل الزبى من عمليات التوظيف والاستيعاب غير المخطط
والخاطئة التي ترتب عليها طابور من العاملين في البطالة المقنعة في
مؤسسات السلطة... كما أن برامج التوظيف في مشاريع البطالة الدائمة
والمؤقتة أيضًا جرى استغلالها على شكل مماصصة لمؤسسات في معظمها
غير ذي صلة... ولم يأخذ الخريجون حقهم فيها ومنها... علاوة على ذلك
فإن عددًا كبيرًا من الطلاب حاصلون على وظائف في السلطة الوطنية
بمراتب تصل إلى مدير عام بينما هم لازالوا على مقاعد الدراسة...
كذلك هناك أعداد كبيرة جدًا من الموظفين المسجلين ويتقاضون رواتب
تصغر وتكبر... فيما هم خارج الوطن، وبعضهم الآخر نساء وأبناء
مسؤولين ومتنفذين رواتبهم ترصد في البنوك دون أي عمل يقومون به،
ومنهم من لا يعرف عنوان الوزارة أو المؤسسة المسجل على كادرها...
ولا يفوتنا آلاف الموظفين الذين تم استيعابهم فقط عبر الواسطات
لتلقي رواتب إضافية فيما هم يعملون في مجالات أخرى من الأعمال
الخاصة... والكثير مما يقال في هذا المقام... ولكن الكل يرش الملح
على الجرح... ويذر الرماد في العيون... إذا أن الكثير من المسؤولين
يخاطبون الخريجين والخريجات ويُطيرون وعود الوهم وإرضاء الخواطر
ودغدغة العواطف... دون أي حلول إجرائية وعملية... في حين أن الخريج
المسكين يبقى يبحث عن بارقة أمل حتى في ثنايا الوعود التي لا تغني
ولا تسمن من جوع... وهنا المسألة ذات شقين الأول منها يتحمله
الخريجون الذين لم يبحثون عن حقوقهم واستحقاقاتهم وضاعوا بين
الأدعياء والأوصياء وكثرة الجمعيات التي تدعي بالحق والباطل تمثيل
الخريجين، في حين أن بعضها شكل وسيلة ارتزاق للقائمين عليها ليس
أكثر... ومطية لتسويق شخصيات هنا وهناك... أما الشق الثاني فهو
مسؤولية السلطة الوطنية اتجاه خيرة أبناء الوطن وستقبله وهي
مسؤولية كبيرة تنتظر التطبيق في سياق سياسة إستراتيجية للتعامل مع
هذه القضية، وبالإمكان شطب كل الزوائد عن فرصة المشاركة في عملية
البناء الوطني التي تقودهم إلى لقمة العيش الكريم وتستثمر
إمكانياتهم وطاقاتهم الكامنة والمهدرة... إذ أن الإقدام بكل جرأة
على شطب أشباه الموظفين تمثل بداية جيدة على الطريق... وفي ذات
الوقت لابد من استثمار برامج ومشاريع البطالة المؤقتة في توظيف
واستيعاب الخريجين والخريجات... وهنا لا نُسقط مسؤولية مؤسسات
العمل الأهلي التي تستحوذ على أموال ومنح باسم الشعب الفلسطيني،
يتم حرفها عن الأهداف التي جُندت لها... وتخلو برامجها إلا من "طق
الحنك وتوزيع الورق على الفاضي والمليان".
في هذه القضية وما تحمله من انعكاسات على المستوى الوطني لابد من
توحيد جهود المؤسسات المعنية بالخريجين في إطار نضالي على مستوى
المسؤولية والتحدي يستطيع التعامل مع قضيتهم بكل أبعادها، ويمثل
نواة صلبة لجهد وتحرك وطني تشارك به كل الجهات المعنية، بعيدًا عن
الشعارات والوعود البراقة يؤسس لفعل ورؤية إستراتيجية، لحل مشاكل
وقضايا الخريجين سواء على المستوى المحلي أو العربي أو الإقليمي...
لذلك فإن الكرة مرة أخرى ترتد إلى ملعب الخريجين والخريجات وقدرتهم
على القيام بمسؤولياتهم اتجاه قضاياهم الشخصية وبُعدها الوطني، دون
البحث عن الخلاص الفردي لكل منهم... حيث إن الخلاص جماعي ولابد أن
يكون كذلك... حتى لا يخسر الخريج نفسه وقضيته العادلة التي تمثل
حقاً أساساً كفله القانون له كمواطن فلسطيني.
|