كثير من الغضب و..الحزن
رشاد أبو شاور
قبل بضعة أشهر قدمّت فضائية الجزيرة في برنامج (للنساء فقط) حلقةً
خصصت لموضوع جواز قيام المرأة بعملية استشهادية وحدها، أم ضرورة أن
يكون معها ( محرم) !.
والحق
أن في هذا الطرح إهانة للمرأة الفلسطينية بخّاصة والعربية بعّامة ،
فالمحرم الذي هو الرجل العربي متقاعس عن تحرير وطنه ، وطرد
المحتلين ، ومعايير الرجولة الذكورية باتت تحت نعال جيش الصهاينة
والأميركان لولا مقاومة شعبنا كلّه رجالاً ونساءً...
وبخبرتي، وتجربتي، أشهد أن المرأة الفلسطينية تملك من الخصائص
النفسية، ومضاء العزيمة ، والقدرة على ( التدبير) ، وطاقة الصبر ،
وحسن التربية ما يجعلنا نباهي بها ، ونقّر لها بالفضل في التماسك
الاجتماعي ، والوطني ، والتوازن النفسي ، وصيانة الذاكرة الجمعية .
وللمرأة الفلسطينية في التاريخ المعاصر ما يعلي من قيمتها ، ويبرز
دورها في الانتفاضات ، والثورات ، وحمل الأسلحة ونقلها من مكان إلى
مكان تفادياً لدوريات الإنكليز إبّان الانتداب البريطاني ، وفي حرب
48
حملت بعض النسوة السلاح وقاتلن إلى جانب رجالهن الشجعان ، واستشهدن
في ميادين القتال مع رجال عاملوهن كسيّدات ، أمهات ، وزوجات ،
وشقيقات ، وبنات ..ولم يكّن يحتجن لمحرمين في تلكم الميادين التي
بطبيعتها تساوي بين الرجل والمرأة من حيث المسؤولية الوطنية ،
والقيمة الخلقية التي يتسلّح بها من يتقدمون للتضحية والفداء لأن
شرط هذا هو الوعي والاعتزاز بالنفس والانتماء ...
لم
يكن غريباً أبداً أن تؤسس دلال المغربي جمهورية في سيّارة باص _
عملية سافوي _كما وصفها الشاعر الكبير نزار قبّاني ، ولا أن تظهر (
آيات الأخرس ) ،وشقيقاتها ( الآيات) ، وأن يستقبل صنيعهن بالفخر ،
وأن يكتب لهن الشعر ، وعنهن تدبّج المقالات ، وتتحوّل ظاهرة
الاستشهاديات إلى فعل تحريضي للرجال إلى التشبّه بهنّ !...
معايير الرجولة والأنوثة التقليدية المتخلّفة سقطت في فلسطين ، وما
كان يصّح أن نجد نساءً يعتقدن بضرورة أن يكون مع الاستشهادية محرم
، ولكننا رأينا في برنامج الجزيرة الذي أشرت إليه من تتشبث بهذا
المفهوم ، فالغريب أن بعض النساء يعتبرن المرأة عورة ، من قدمها
إلى صوتها ...
وأنا
أتأمل الشريط الذي ظهرت فيه ( آيات الأخرس)، الشّابة الفلسطينية
التي حرمها الاحتلال من الفرح بشبابها، وهي تركض خفيفة حتى لتكاد
تطير ، بدت كما لو أنها فراشة ، وهذا ما جعلني أحزن ومن بعد أغضب
وأحقد اكثر على محتلي فلسطين الذين انتزعوا منّا بالموت الذي حملوه
إلينا خيرة شبابنا وشاباتنا .
والحق
أنني أيضاً ككثيرين غيري شعرت بالزهو ببطولة هذه الفتاة ،
وشقيقاتها (الآيات) ، ولم يخطر ببالي أن أتساءل : لماذا ترسلون
فتيات للقيام بعمليات استشهادية ؟! فالوطن للجميع، للرجل كما هو
للمرأة ، وفي وطن ربّة الخصب ، والزواج ، والحرب ، والحب ،
والولادة هي ( عناة) المرأة الكنعانية ..لا يجوز التساؤل .
الأمر
مختلف هذه المرّة ، فالاستشهادية ريم صالح الرياشي هي أم شابة ،وهي
تركت طفلتين وراءها ، هما ( محمد ) سنة وشهران ،و( ضحى) سنتان ونصف
، والطفلان سيعيشان يتيماً معذّباً ، فالأم لا يعوّض حنانها أحد ،
وهذا ما يدفعني لرفع صوتي لعلّه يصل إلى من يهمهم الأمر : لقد
اعتقدت دائماً أن الكفاح المسلّح هو ذروة ( المقاومة) والشكل
الأرقى ، وأن عدونا لن يجلو عن أرضنا بغير العنف الثوري ، وأن
عدونا هو سبب كل آلامنا ولذا يجب أن يقاصّ ويعاقب ويتألم ويدفع
الثمن ...
هذا
لا يمنعني من أن أتساءل : من سيرضع محمداً ؟ ومن سينظّف بدنه ؟
ومن سيأخذه وأخته للطبيب ؟ من سيمشّط شعرضحى ؟! والدهما لن يستطيع
فعل ذلك حتى لو أراد ، وبصراحة سيضطّر للزواج بعد فترة ( بحجّة)
مقنعة وهي العناية بالطفلين .. وأيضاً لأنه شّاب .وأضيف لتساؤلي :
هل استشير الزوج في إقدام زوجته الشهيدة على تنفيذ هذه العملية ؟
وحتى
لو كان الجواب نعم فإن الطفلين هما من سيعاني ، ولا يقولن أحد : لا
يهم فشعبنا كله يعاني ، لان هذا التبرير غير مقنع ، خاصةً إذا كان
بإمكاننا تقليل آلامنا ، وخسائرنا ، وعذابات أطفالنا.
في
المعارك الحربية التي تخوضها الجيوش ، وحين يحتاج لتنفيذ عمليات
خاصة فإنه يراعى اختيار الشباب غير المتزوجين تقليلاً لحجم الخسائر
، وتأثيراتها ، ونتائجها .
اليتم ! ..هل تعرفونه ؟! لا أتمنى لأحد ذلك . شخصياً عانيت من (
اليتم) في الطفولة المبكّرة ، فوالدتي رحلت وأنا في الرابعة ، وأبي
رحمه الله انتظر عشرة أعوام حتى كبرت ليتزوج بعدئذ ، ومع ذلك فقد
عشت حياتي كنبت برّي ، واضطررت أن اشق طريقي في الحياة ..في حياة
لا يمكن تصوّر قسوتها ! ...ورغم المشوار الذي تكلل بأن أكون كاتباً
..فإنني لم أعرف الفرح الحقيقي ، ولقد حاولت التعويض عن فقدان أمي
بأن أجعل من أمهات أصدقائي ( أمهات) لي ، وهنّ أغدقن علي عواطفهن
الأمومية ، ولكنني دفعت الثمن كاملاً وحدي !.
لا
انتقاص من ( استشهاد) السيدة الفلسطينية الشّابة ريم صالح الرياشي
، ولكنني كنت أتمنى أن لا يستجاب لرغبتها في الاستشهاد ، وان تكلّف
بأعمال لا تقل تضحية ، لتبقى مع زوجها وطفليها ...
لقد
قتلت ريم الرياشي جنوداً يحتلون وطنها ، يسومون شعبها صنوف العذاب
يومياً ، يحتمون بما في أيديهم من سلاح ، يستهترون بحقّ الشعب
الفلسطيني في الحياة ، والحريّة ، ويجهلون مدى اعتداد هذا الشعب
بكرامته ...هذا لا نقاش فيه ..ولكن ! ..وهذه اللاكن يطرحها واحد
مّمن عاشوا مع شعبهم بالقلم والبندقية معاً ، وما كان متفرّجاً ،
واحد انتقد سلبيات ( الثورة) الفلسطينية وهي في ( ذروة ) (قوّتها)
في بيروت ، ولذا يرى أن من حقّه وبما يمليه عليه ضميره أن يرفع
صوته مطالباً بأن لا ترسل أم فلسطينية للقيام بعملية استشهادية
تاركة أطفالها لليتم ، والألم .
ثمّة
من يعيش على مدح الشعب الفلسطيني ، والاكتفاء بإبداء الإعجاب بما
يجترحه من ( معجزات) ، مكتفياً بدور ( المعجب) _ بفتح الجيم_
وهؤلاء ليسوا مواطنين عاديين ، بل هم ( مناضلون ) في أحزاب عربية
لا تقدّم للفلسطينيين قرشاً ، ورجال دين يخطبون في المساجد وتنتفخ
حناجرهم وتتهدج بعبارات الثناء والمديح على الاستشهاديين
والاستشهاديات في حين يجبنون عن قول كلمة الحق في وجه السلطان
الجائر في بلادهم ولا سيّما من لهم صلات وطيدة بالكيان الصهيوني
ويسمسرون له!.
منذ
ساعة بث الشريط الذي يظهر ( الاستشهادية ) الأم : ريم صالح الرياشي
وأنا ممتليء بالغضب ، بالكثير من الغضب ..والحقد على المحتلين
الصهاينة الذين دفعوا بهذه الأم الفلسطينية الشّابة لتترك طفليها
وتمضي لتفجّر نفسها في جنود محتلين قتلة .
وأنا
حزين جداً ، حزين أكثر من أي وقت إذ أفكر بطفلين فلسطينيين تيتما
من أجل حريّة فلسطين . محزون أنا جداً ، ولذا أرفع صوتي لعلّه يبلغ
أسماع أخوة نحبهم ونحترمهم ونثق بوطنيتهم ، مطالباً بأن لا يستجاب
لطلب أمهات فلسطينيات بالقيام بعمليات استشهادية ، فشعبنا لم يعدم
الشابات والشباب ، وهو شعب شّاب ، مقبل على الحياة ، محب لها إلى
حد الاستشهاد من أجلها ...
|