منتصف الليل و آخره.......
رسمي
أبو علي
1.
ركاب منتصف الليل
سكنت
منطقة مرج الحمام في عمان منذ بعض الوقت وأعود متأخرا في بعض
الليالي فلا أجد سرفيس المرج لان الحركة تصبح قليلة من المرج واليه
بعد التاسعة ليلا نظرا لبعد المرج عن عمان مسافة لا تقل عن خمسة
عشر كيلو مترا.
لكن
بعض السائقين من خطوط أخرى مثل سرفيس جبل الزهور أو الوحدات يقومون
بالمهمة وقد سألت أحدهم لماذا يأتي إلى هذا الخط فأجاب بأن خطه على
الزهور مرهق وأنه يفضل هدوء مرج الحمام وخاصة في الليل وأضاف بأن
نقلة واحدة للركاب تعادل ثلاثا أو أربعاً في الزهور. وهنا أقول بأن
أجرة السرفيس في الليل إلى المرج ترتفع إلى نصف دينار أي حوالي ضعف
الأجرة أثناء النهار. وصلت إلى سيارة السرفيس في الحادية عشرة
والنصف ليلا فوجدتُ سيارة سرفيس فارغة فأخذت المقعد الأمامي
متسائلا كم سيمضي من الوقت ليحضر الركاب الثلاثة الباقون. لكن
الأمر لم يطل حتى جاء الراكب الثاني وجلس خلفي وبعد دقائق شاهدنا
شاباً يتقدم باتجاه السرفيس فاستبشرنا خيرا ولكن الشاب الذي اتضح
أنه رث الثياب عندما اقترب كثيراً من السيارة ليس بصدد الركوب في
السيارة، وبدلا من ذلك أخذ بالتهام ساندويتش فلافل في يده بطريقة
لافتة إذ بدا أنه يحشو الرغيف حشوا في فمه. علق الراكب الذي يجلس
خلفي على الشاب مستنكرا طريقته في الأكل فقلت له بأن الشاب قد يكون
جائعاً جداً، ومن المحتمل أنه لم يأكل منذ يومين أو أكثر..
غيّر
الراكب خلفي لهجته وبدا أنه يتعاطف مع الشاب الذي أكمل التهام
الساندويتش في لحظات وأخذ بمسح فمه.
-
الله يكون في عون الناس-
قلت
له هذا هو الكلام الصحيح..الله يكون في عون الناس.
ثم
أخذنا بالحديث عن الأحوال الصعبة للناس وعن غلاء الأسعار وكل هذه
الأمور التي يشكو منها معظم الناس.
بعد
ذلك بدا أن رفيقي في السرفيس راغب في الفضفضة فقال بأن له بيتا
صغيراً في المرج مع الحمد والشكر وأنه يتقاضى 170 ديناراً كتقاعد
بعد خدمته في الجيش ويزيد عليها مئة دينار نظير حراسات يقوم بها في
وسط المدينة..لكن بالرغم من ذلك فإنه لا يجد في جيبه دينارا واحدا
في بعض الأحيان.. وكنا لا نزال بانتظار راكبين آخرين متسائلين كم
من الوقت سوف يمر قبل أن يحضرا وتساءل الرجل: ترى هل سيجيئان؟
أجبته بأن الذي (جابنا) سوف يجيبهم ولن يطول الأمر.
وفعلا
جاء ثلاثة ركاب بعد دقائق من تساؤلاتنا، صعد اثنان وامتلأت سيارة
السرفيس على حين بقي الراكب الثالث حائرا شاعرا بالخيبة والخذلان
لأنه لم يصل في الوقت المناسب ولعله تساءل كم من الوقت سوف يمضي
ليجيء ثلاثة ركاب آخرون إلى سيارة السرفيس الأخرى التي في
الانتظار..
حزنت
على هذا الراكب وتعاطفت معه.. فقد حدث معي ما حدث معه أكثر من مرة.
2.أصدقاء آخر الليل ........
جفاني
النوم ليلة أمس وكانت الساعة هي الرابعة صباحاً.. وعندما يحدث هذا
فإنني أرتدي ملابسي وأخرج من البيت لأمشي في الشارع الملاصق لبيتنا
والممتد غرباً حتى يصل إلى الدوار السابع – شارع يكون هادئاً
تماماً في هذه الساعة من الليل، شارع تحفه أشجار الصنوبر والسرو
لمسافات بعيدة.
أمشي
ولمسافات طويلة، وفي هذا الوقت من الليل حيث الجو ندى ورائحة
الحقول تفوح منها رائحة اختلاط الندى بأكوام القش المتبقية من
الحصيدة التي حدثت قبل شهور .. المشي هو أفضل علاج للأرق والقلق
والتوتر وما شئت من هذه الفصيلة التي أصبح يعاني منها كثيرون
يزدادون يوماً بعد يوم..
مشيت
ومشيت ذهاباً وإياباً إلى أن حلّ بي التعب بعد أن امتلأت رئتاي
بالهواء النقي، وفي طريق الإياب حيث تنتصب إحدى المدارس الخاصة
شاهدتً عن بعد أشياء صغيرة تتحرك.. وما أن اقتربت بحذر حتى تبينت
ثلاثة أرانب بيضاء كبيرة الحجم تتقافز بحذر مشمشمة بعض النباتات
الملاصقة لسور المدرسة العالي.
أرانب! وفي هذه الساعة من الليل.. كان وجودها غريباً حقاً فالمدرسة
لا تربي أرانب كما هو معلوم، وهي حتى إن ربّت، فمن المتعذر على
الأرانب أن تخرج من الباب الموصد والأسوار العالية.. قلت ربما أتت
من إحدى البيوت المجاورة.. ولكن أقرب بيت يبعد أكثر من ثلاثمائة
متر عن مكان وجودها.. فمن أين جاءت؟
كان
الأمر محيراً تماماً بالنسبة لي، وفي غمرة تساؤلاتي كنت قد اقتربت
أكثر مستخدماً إرادتي الباطنية لطرد أية غريزة عدوانية من نفسي حتى
تأنس لي الأرانب ولا تهرب.. ويبدو أنني نجحت اذ أصبحت على بعد
أمتار قليلة بحيث أخذت الأرانب برفع رأسها والنظر إليّ بحذر لكن
دون أن تبدي رغبة في الهرب.. وضاعف من اطمئنانها أنني جلستُ على
الأرض محاولاً الإيحاء لها أنني كائن لا خطر منه.. أرنب كبير
مثلا.. ولكن من نوع آخر.
وبعد
أن تأكدت الأرانب أنه لا خطر يأتي من جهتي أخذت بمراقبتها مستمتعاً
بصحبة لطيفة قلما تتوفر مع بني البشر.. ثم اكتشفت بعد بعض الوقت
أننا لم نكن وحيدين في تلك السهرة الفجرية.. إذ لاحظت وجود قطة
صغيرة تجثم على صخرة تبعد بضعة أمتار، ولاحظت أنها تراقب الأرانب
كما أفعل أنا تماما.. فضلاً عن أنها تراقبني أيضاً كما أفعل أنا..
وهكذا
بقينا نصف ساعة أو أكثر متعايشين بهدوء دون أن يحاول طرف إزعاج أي
طرف آخر..
ولم
يقطع سهرتنا إلا رتل من السيارات شديدة السرعة تدفقت الواحدة تلو
الأخرى على نحو مفاجئ وغير متوقع.
ارتبكت الأرانب وهربت عبر الشارع باتجاه الحقول القريبة – أما
القطة فابتعدت من الناحية الأخرى وبقيت وحدي – لكنني لم أمكث
طويلاً. إذ قفلت عائداً إلى البيت.
|