|
ظلال
صفقة
الأسرى
د.
حسين أبو شنب
حرية
الأسرى أمل كل الأحرار في كل مكان، وكل أسير يتم تحريره مكسب وطني
نعتز به، والنضال المتواصل من أجل حرية الأسرى واجب وطني وقومي
وإنساني لأن الأسري صف متقدم من صفوف المناضلين وعنوان للتحدي
والإصرار والتمسك بالثوابت الوطنية، وبالتالي فإن تحريره وعودته
إلى الوطن بسمة تغمر الشفاه وبهجة تملأ القلوب.
الصفقة التي تمت بين حزب الله والحكومة الإسرائيلية لا شك هي صفقة
مثيرة بقدر ما هي مهمة، فقد أعادت هذه الصفقة للصامدين والمناضلين
الأمل في إحياء العزم على مواصلة المسيرة والثبات على المبدأ،
والتأمل والتدبر قبل الإقدام على أية حلول، ودراسة الحالة قبل وبعد
تنفيذ الصفقة، فقد دلّت التجارب في مثل هذه الصفقات على عدم التزام
الجانب الإسرائيلية بالتعهدات والاتفاقات وتبين أنه يمارس الخضوع
كلما اشتدّ به أذى المجتمع وعلت أصوات المعارضين والمتذمرين من
سياسة حكومتهم، وحين حصوله على مبتغاه يبدأ مشوار الخديعة والتسويف
والمماطلة ويترك الجانب الآخر في حيص بيص فقد أخذ كل ما يريد وأعطى
قليلاً من المطلوب والدليل واضح فاضح منذ اتفاق أوسلو عام 1993 وما
بعده من اتفاقات وتفاهمات ولقاءات بالوسطاء وغير الوسطاء.
حزب
الله في صفقته لم يتعجل ولم يتسرّع ولم يكثر من الأقوال واكتفى
بالإصرار على مطالبه الأساسية، ولذلك حاول الإسرائيليون في أعقاب
محاولات التفاهم السابقة للصفقة أن يستخدم القوة، اللفظية الكلامية
الدعائية، والقوة العسكرية الجوية والتجريفية فكان ردّ حزب الله
واضحاً ومباشراً ومؤثراً وهو ما جعل الإسرائيليين يعيدون التفكير
ويخضعون في ذات الوقت للحق وقوة الآخر في التفاوض والتقاتل أيضاً،
وذلك يعيدنا إلى أيام المواجهة والتحدي في الجنوب اللبناني التي
جعلت وايزمن وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك يعترف "بأنه أمام عدو
منظم وقادر وقوي".
الصفقة ليست الأولى من نوعها بالرغم من أهميتها فقد سبقها صفقات
بين منظمة التحرير الفلسطينية وفضائلها، في آذار مارس عام 1979،
وعام 1985، ومثل ذلك مع سوريا ولبنان في فترات متوالية، وجميعها
كانت نموذجاً للقوة والفعل والإصرار على التحدي والتواصل والتأمل
والتفكر وعدم التسرع وعدم الأخذ بالنوايا الحسنة بعدما بددت
الحكومات الإسرائيلية إمكانيات النوايا الحسنة والسلوك الحسن.
أهمية
صفقة الأسرى بين حزب الله وحكومة شارون تأتي في وقت مهم وبالغ
الدقة، ومع حكومة بالغة العنجهية شديدة الغطرسة، ممعنة في رفض كل
العالم، والقفز عن الأعراف والمواثيق والتعهدات والأعراف أيضاً،
لكنها في لعبة شدّ الحبل مع حزب الله لم تملك إلا الخضوع وإلا
القبول بالشروط وإن حاولت تقسيم الصفقة إلى أكثر من مرحلة، فكان
حزب أكثر يقظة ووعياً وثباتاً وعدم التعجل في خطواته فاحتفظ بالسرّ
الذي يجعل الحكومة الإسرائيلية تدور حول نفسها.
حزب
الله وضع قاعدة مهمة، المصداقية في التعامل مع الأسرى وأهالي
الأسرى، ولذلك سمير قنطار عنوان للصمود والتحدي، وأنموذج لاختبار
النيات بين الطرفين، فما يزال السرّ يحتاج إلى لجان للتفتيش
والتنسيق والتداول والوساطات من جديد، ومثل هذه الوساطات قد عرفت
أن الوزن بالوزن والكيل بالكيل وليس المجاهدون متسرعين فالمشوار
طويل.
هذه
الصفقة بأهميتها وإثارتها تحتاج إلى وقفة للتأمل والقراءة
والمراجعة ووضع القواعد للتفاوض والتوسط، فالتجربة مريرة وشاقة
ومعقدة، والصراع الحاد لا يحتمل حسن النوايا ولا التسليم بالواقع،
وإنما بالفرّ والكرّ، بالقول والفعل، والنصر لا يكون إلا للصابرين
والمتعاهدين.
|