|
شــرفة
... عبد الرحمن
منيف ... رجب أبو سرية
برحيل الروائي العربي الكبير، عبد الرحمن منيف، تكون الثقافة
العربية قد فقدت واحداً من أهم رموزها المعاصرة، وأحد أهم روائييها
على الإطلاق، والذي إذا ما استثنينا نجيب محفوظ، يكاد يكون هو
الأبرز في المكانة والقيمة إلى جانب الانتشار والقراءة.
فمنيف الذي بدأ الكتابة الروائية بعد الأربعين من عمره، بدأ
كبيراً، ومنذ "الأشجار واغتيال مرزوق" احتل مكانته بين الروائيين
العرب، حتى وصل ذروته في ملحمته، روايته الكبيرة خماسية "مدن
الملح" التي تعتبر أكبر وأهم عمل روائي عربي، يوازي في مكانته
وأهميته ثلاثية محفوظ.
ولقد مثّل في حياته الشخصية والروائية نموذجاً للمثقف العروبي،
معبّراً عن توق الجموع من الخليج إلى المحيط بالوحدة، ولعلّه، وهو
ابن لسعودي وعراقية، المولود في عمّان، ثم التنقل بين أكثر من
عاصمة عربية، قد قدّم صورة عن المواطن العروبي المفترض، والمتشكل
في الخيال الروائي، الذي يجتاز حدود القطرية العربية المصطنعة،
ولعل هذا كان أحد عوامل قراءته من قبل القراء العرب، دون اعتبار
للحدود / الفواصل بين الأقطار العربية. ولعله بذلك كان يقدم لحراس
النظام القُطري ما يبرر لهم إسقاط جنسيتهم عنه، لتغدو "كل قلوب
الناس جنسيته" كما يشدو مارسيل خليفة.
كان الوعي الروائي لمنيف إذاً نظاماً كاملاً للوعي، الذي يدخل في
نسيج الأعصاب، كما يتخلل ثنايا المخيلة، وهكذا كان عالمه الروائي،
عالماً منسوجاً على طباقٍ مع الواقع، لذلك كانت لغته إضافة حقيقية
إلى اللغة، لغة وسيطة بين المعجم والدارج، وربما كان ذلك أحد عوامل
انتشار رواياته بين الناس.
ولم يكن فعله الروائي جهداً غير مسؤول، فهو اخترق عالم المسكوت عنه
سياسياً، في الوقت الذي كانت تتدعم فيه ركائز النظام القُطري على
أساسات أجهزة الأمن البوليسية، التي تلاحق نخب الوعي والتحرر
والتجزئة.
يرحل منيف في هذه اللحظة ويترك وراءه إرثاً روائياً عظيماً، كل
الخشية أن يتحول الموت الطبيعي إلى موت هذا النموذج من المثقف
العربي، وأن يمثل فرصة لأن تحتل الثقافة الخفيفة والعابرة أركان
المشهد الثقافي، كما حدث بعد رحيل عبد الوهاب، أم كلثوم وعبد
الحليم حافظ. ذلك أن المأزق العربي يكمن في إحالة عادية الطبيعة،
المتمثلة في جدل الحياة والموت، إلى موت المجاز نفسه.
ولعل الأسف الحقيقي الذي ينتابنا في هذه اللحظة، إنما يتصل بمدى
ردّ الفعل تجاه غياب قامة بحجم عبد الرحمن منيف، فلو كان الزمان
غير الزمان، لخرجت الناس، كما فعلت – على الأقل في صفوف الكتاب
والأدباء – يوم غاب عبد الناصر، وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ. لكن
المفارقة المؤسية ستظل رغم أنوفنا تشير إلى أن ثقافة عامة تسود
الآن، ستظهر من ردود الفعل على غياب مطربة عابرة، بأكثر ما تظهره
تجاه غياب روائي عظيم، رغم ذلك فإن العزاء يبقى طيَّ صفحات
التاريخ، التي لابد أن تفرد المكانة اللائقة بالراحل الكبير، رغم
أنف كبوتنا العابرة، المتمثلة باللحظة الراهنة.
|