السنة الأولي    العدد الواحد والعشرون     السبت 14  شباط  2004

 

 

  الصفحة الرئيسية أضف الي المفضلة إتصل بنا

 

أديب ناصر في ديوانه" يا أيها الآتي "
ينتمي لسلالة الكبار ويغرد داخل السرب العربي
 

بقلم محمد المشايخ ـ عمان

يقف الشاعر الفلسطيني أديب ناصر في طليعة الشعراء المعاصرين, الذين جمعوا بين إبداع الشعر العمودي التقليدي, وبين إبداع قصيدة التفعيلة, كما انه في مقدمة الشعراء الذين تجاوزوا همومهم الذاتية الخاصة, والتزموا بالهموم الوطنية والقومية لامتهم العربية, وان كانت إحدى عينيه تنظر باتجاه فلسطين, والأخرى تنظر باتجاه العراق, فان في قصائده الكثير الكثير مما يسمى هموم البشرية جمعاء.
ورغم أهمية المضامين التي طرقها شاعرنا, فإن الملاحظة الأبرز على شعره تكمن في انه في خضم محافظته على النفس الوطني, التحريضي, النضالي, الحماسي, المقاوم الذي تخلل الشعر الفلسطيني وخاصة ما صدر منه عن قريحة كبار الشعراء الفلسطينيين أمثال عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وكمال ناصر وراشد حسين وغيرهم, فقد رفع من مكانة القصيدة العربية المعاصرة, بل كان أستاذا فيها منتميا لاؤلئك الشعراء الذين ما زالوا يقبضون على جمر الإبداع الشعري دون ان تنزلق قصائدهم ومواقفهم في مهاوي التطبيع ببعديه الثقافي و السياسي.
الميزة الأخرى والأهم لشاعرنا والتي يختلف فيها عن غيره من شعراء العرب المعاصرين, انه صاحب موقف, وانه مستعد لدفع الثمن المترتب على موقفه, بل ويضحي من اجل ذلك, أي انه يمزج بين القول والفعل ويرفع عن شعراء عصره سمة الاكتفاء بإبداع الشعر والاختباء وراء القصائد فهو في ساحة المعركة دائما.
يضاف إلى ذلك, انه شاعر ليس أحادي النظرة, بدليل انه يختلف عن رموز الشعر العربي المعاصر, في كونه لا يكتب إلا عن الايجابيات والنقاط المضيئة والأبطال, في حين لا يكتب الآخرون إلا عن السلبيات والاحباطات والنقاط السوداء التي تحجب الرؤية عليهم فلا يرون غيرها.. هذا مع وجود استثناءات لشعراء يستشرفون المستقبل ويرون فيه الأجمل والأفضل.
وفي ديوانه " يا أيها الآتي ", تتم المصالحة بين أديب ناصر الشاعر, وأديب ناصر الناقد والمفكر والسياسي, حيث يمارس الاثنان ضربا من ضروب التفاعل الحي بين ملكة الإبداع الشعري وملكة التنظير والتقويم, فجاءت قصائده منضبطة بالفن وقواعده دون ان يؤدي النقد والفكر والسياسة لترويض ملكته الإبداعية أو الحيلولة دون توحيد إنتاجها.

وفي قصائده حيوية وحركة طالما افتقدناها في شعر غيره, ثمّة أسئلة وإجابات, استفسارات وعلامات تعجب, ثمة معارك ووقائع واستعراضات تاريخية وأمانٍ وتطلعات كلها مبثوثة بأسلوب بعيد عن التقريرية والمباشرة, ثمة بناء خاص به لمعمار القصيدة الحديثة, وثمّة مقدرة فائقة على تشكيل الصور وصياغة الرموز وإسقاط الماضي على الحاضر, واسترجاع التراث, والتعامل مع اللغة والإيقاع والتكرار, والغموض والاقتباسات المبعثرة في فضاء قصائده, الملحمية, والجنوح إلى التوليد العقلي, واللجوء إلى التفجير الهادئ أو العنيف عبر الإيماء الحاد, دون ان يلغي هذا التقطيع الذي جاء لغايات الدراسة فقط لمعرفة أديب ناصر المطلقة بان القصيدة خليقة متكاملة لا تحمل التقطيع وترفض الاعتداء على نظامها الداخلي ووحدتها العضوية.
كان ذلك على الصعيد الجمالي, أما على الصعيد الموضوعي, فان الشاعر أديب ناصر من اكثر الشعراء العرب نقشا في ذاكرة العصر وتركيزا على الوقائع المادية للأحداث, ابتداء من الأطماع الاستعمارية بالمنطقة, وانتهاء باللحظة الراهنة التي ما زالت مشغولة بمقارعة تلك الأطماع, ذاكرا أسماء الدول والأشخاص والمعارك والوقائع والأدوات, غير ان ذلك كله لم يقم شاعرنا بصياغته بشعر يسير وفق المنهج الوثائقي, بل كان يعمد إلى أساليب فنية ترتقي إلى ما يثيره ذلك النقش والتذكّر من تداعيات وامضة كاشفة, فكان منهج الشاعر أديب ناصر يقوم على التكامل ( الموضوعي والجمالي ) وليس على التراكم والتوثيق, ولم يكن يبحث عن آلية الاستجابة السريعة, ورد الفعل المباشر, بل كان يتعمقها بحيث تكون جزءا من موقفه غير القابل للاهتزاز:
لا ينحني الرأس إلا للذي خلقا
فاضمد به رمقا وامدد به أفقا
الأرض فتحك.. كون سوف تطفئه
وكان قبل سراك اليوم محترقا
الأرض فلكك.. والطوفان ميتتهم
فحقد من حقدوا قد اغرق الغرقا
وليلاحظ معي القارئ الكريم ان أخر كلمتين في البيت السابق (اغرق الغرقا) تمثلان قمة البلاغة العربية, وخاصة في حقل التجسيد الذي يكسب الجماد الحياة, ويجعله قادرا على تنفيذ ما يعجز الأحياء عن تحقيقه, الأمر الذي انتبه له الشاعر الدكتور وليد سيف عندما كان أستاذا لعلمي اللغة العام والصوتيات في الجامعة الأردنية عام 1975 حيث استخدم في قصيدته (عبد الله بن صفية) التجسيد نفسه عبر قوله (والموت يموت).
لقد تخطى الشاعر أديب ناصر البكائيات الرومانسية, وخرج من قواقع الحزن ليتواصل مع شرايين التمرد التي يغذيها الاستنفار اليومي والمستمر, فوظف كلماته في ساحات الصراع والمنازلة, حتى غدا قاموسه الشعري ممتلئا بالقوة والتفاؤل وشدة التأثير.
وأخيراً فان هذا الديوان يوضح ان للأدب والفن دوراً لا يستهان به في الأزمات الكبرى التي تمر بها الأمم, ويؤكد ذلك جبرا إبراهيم جبرا عبر قوله (النشاط الأدبي والفني تعبير عن روح الأمة ونبضها وإذكاء لطاقة الصمود والمقاومة ضد التحديات, إنها تعبير عن إرادة الحياة ).
وأضيف أن أديب ناصر ليس آني القصائد, فالديموية والخلود ابرز سماتها, وأديب ناصر نسيج وحده يؤثر بغيره ولا يتأثر بأحد, ورغم ما في الساحة الثقافية العربية من موضوعات مطروحة, وأساليب فنية مطروقة, إلا انه ما زال قادرا على الابتكار والتجديد, وما زال قادرا على الإبهار والإدهاش وما زال يغرد داخل السرب وخارجه وما زال عهده, لا يذكر بشعره إلا الكبار, فالكبار عادة لا يستذكرون إلا الكبار.


 

 

 

 
 
 

 

 

 

 

فلسطين | تحقيقات | رياضة | فن | ثقافة | مقالات | إسرائيل
معرض الصور | سجل الزوار | الأرشيف


© Copyright  2003  AL - DAAR