|
ذاكرة الحروف
يترجلون عن أجسادهم.. ويبقى الصهيل!
د. علي عودة
فارساً تلو الآخر يترجلون ويذهبون.. أثقلهم وجع الأمة
وانكسارها، فتائت قلوبهم بحملها وتوقفت.. يترجلون عن أجسادهم، لكن
صهيل حروفهم يظل متردداً في البيداء..
إدوارد سعيد وإحسان عباس.. محمد القيسي و فدوى طوقان.. ثم أحمد
صدقي الدجّاني.. فلسطينيون، قوميون، إنسانيون، حضاريون، مخلصون
للأرض والإنسان.. والحرية.. لم يكسروا أسنان أقلامهم، ولا انتهكوا
طهارة الحروف بعطايا "السلاطين" وظلوا حتى آخر حرف مخلصين لصهيلهم
الأول!
وكان "العربي" الأسمر، العربي حتى الوجع، آخر
المترجلين.. ترك "مدن الملح" و"شرق المتوسط" و"أرض السواد"..
وتخلّف للمرة الأولى عن حادثة "اغتيال مرزوق"!وداعاً ووجعاً، عبد
الرحمن منيف! وداعاً وسلاماً أيها المخلص حتى الإحباط والمبدع حتى
الوجع والمحّرض حتى الموت.. ترجلّت قبل أن يعود "رجب إسماعيل" إلى
"شرق المتوسط"، ترجلّت وقد داهم المغول "أرض السواد"، وعاثوا
بسنابك خيلهم في أمعاء الفقراء، يفتشون عن أسلحة الدمار والنفط
و"بذور العقل العربي" وبقية من انتماء!! وها هي "مدن الملح" تشتري
صوراً للمغول المعاصرين وتبثّها في "الفضائيات" المرتعشة المصطكة
الأسنان، وتغتال مرزوق "العربي" للمرة المليون!! لا تبتسم لأصحاب
الأقلام المثّلمة والحروف النخرة حَذارِ من خصيان السلاطين، الذي
يدثّرونك بعباءات الكلام ويتمتمون برقيّة التشفّي، متوهمين أنهم
فازوا في "سباق المسافات" و الحروف والكلمات.. والوجع! ألا تبَّت
أقلامهم وحروفهم، أفلا يخجلون؟!
وغزة تعشق صهيل الحروف! وتطرب لصوت فارسها الطويل
الممشوق.. "أي هزّة حينما تومض في عينيّ غزّة".. سلاماً معين بسيسو!!
مرّت ذكراك على بحر غزة فوجدته غاضباً مضطرباً، وجدت مياهه كدراً
وطينا! عشرون عاماً منذ أن ترجّلت أيها الفارس عن جسدك، وما فتئت
غزة "أقراطها الزنابق البيضاء" وإن تحوّلت إلى" كيسٍ من رمل"..
متراس يصدّ - عنها وعنك - الذي رأيته في كربلاء "صهيل سيفه مع
الحسين وفوق سيفه قصيدة منقوشة في مدح قاتل الحسين" آهٍ يا معين،
يعيش مجنون تل الزعتر في غزّة، "مرصعاً بالنار والجذور والقمح
والأحجار" ويتجّول فيها، وما زال يحذّرنا من سماسرة الشعر و"الدجاج
المزّور".. آهٍ يا معين ما زالت سهير تنتظر الرسالة تنتظرك عند
محطة القطار، وما زال رفاقك يلتقطون السلاح من يدك المضرجة
بالدماء، ويرسمون معك صورة لمولانا السلطان وقد ضلّ طريقه إلى
الغلام بدلاً من الجارية، وما زال الفقيه "الوأواء" يفتي ببراءة
السلطان من الزلل، ويحرض بقية الفقهاء على فعل الشيء نفسه!!
وآهٍ يا معين! عاد الطابور العربي خمسين خطوة إلى الوراء
– أكثر مما توقعت! ولم تظهر بعد، غزالة العرب ولا يمامة العرب! ولم
يَعد للعرب رمحٌ ولا ترس ولا سيف.. ولا خشبة!! صاروا كلهمُ أبا
لهب"! وتكاثرت يا معين ثعابين المحابر، وبشمت في لحمنا.. وأوغلت!!
وفي المعارض و"الفضائيات" العربية "تكتب الأسماك والحيّات أجمل
القصص" وآهٍ يا معين! ذابت يدنا اليمنى وذاب الوجه، لكننا نكتب! ما
زلنا نكتب "كالنطع الأسود كلمة "لا".. لا للويس الأول ولا للويس
الحادي والعشرين.. لا للزنزانة، لا لمقص رقيب السلطان..
وللسِّكين".. آهٍ يا معين! ما زلنا نبحث عن اسمنا وهويتنا..
ونتدحرج "القرمطي؟ البرمكي؟ القرطبي؟ القرمطي؟ الليلكي؟ الزنبقي؟
الزئبقي؟.." ما زلنا..
.. وداعاً ووجعاً يا فرسان الحروف.. وداعاً عبد الرحمن منيف..
سلاماً معين بسيسو! سلاماً أيّها المترجلون عن أجسادكم! وصلت
حروفكم وما زالت البيداء تردد صهيلها!!
|