السنة الأولي    العدد الواحد والعشرون   السبت 14  شباط  2004

 

 

  الصفحة الرئيسية أضف الي المفضلة إتصل بنا

 

شطرت الجهاز السياسي إلى شطرين
ثمن باهظ.. لكن الآمال معلقة على المرحلة الثانية من الصفقة

ابراهيم عبد العزيز

إعلان الفريق الإسرائيلي الخاص ، الذي تواجد  في مطار كولونيا الألماني إنتهائه من تشخيص رفات الجنود الإسرائيليين الثلاثة، بيني أبراهام، عادي أفيطان وعمر سواعد، جاء بمثابة "الضوء الأخضر"، لإقرار صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله نهائيًا. وأثار إقرار الصفقة، وخروجها إلى حيز التنفيذ خلافاً كبيراً في إسرائيل،  وقسم الجمهور والجهاز السياسي هناك، الى شطرين شبه متساويين في الحجم، وفقط المرحلة الثانية من الصفقة، هي الكفيلة بحسم الخلاف.

لايعني تنفيذ الشق الاول من الصفقة، بالضرورة اغلاق الملف نهائياً وإسدال الستار على قضية مساعد الطيار الإسرائيلي رون "أراد" بل على العكس، جعل امأل كبيرة تتعلق بالمرحلة الثانية من الصفقة، إضافة إلى الكثير من التسأولات، التي لا حصر لها. فقد فتح وصول الوفد الايراني الكبير، والذي يترأسه هادي خمينائي، شقيق علي خمينائي رئيس مصلحة تشخيص النظام في ايران، والوزير علي أكبر مختشبي، المفاجيء إلى بيروت، الباب على مصراعيه، امام التكهنات والتحليلات، هل يحتفظ  هذا الوفد بجيبه بمفتاح حل لغز رون اراد؟ وهل هذا المفتاح هو "المفاجأة"، التي وعد بها نصرالله قريبا؟ وهل قرر الايرانيون انهاء قضية رون اراد في وقت مبكر، عما اعتقدوا في البداية وعدم تسويف القصة على مدى عدة شهور اخرى؟. وحقيقة ان الحديث يدور عن مسؤولين كبيرين ذوي اتصالات هامة يعزز التقدير بشأن جودة واهمية المعلومة التي يحملانها.

لغز اراد تواصل منذ 17 عاماً، وظل يطارد المؤسسة الأمنية والسياسية الاسرائيلية، وأعتبر فشلاً من الدرجة الاولى، وإيجاد حل له  فقط وحده من شأنه أن ينسي الناس الثمن الباهظ، الذي دفعته إسرائيل، لحزب الله مقابل استعادة الحنان تننباوم وجثث الجنود الثلاثة. ويبقى السؤال، ما هو الثمن الذي سيدفع مقابل المعلومات حول أراد وفي مرحلة لاحقة مقابل الحصول عليه نفسه؟.

ويبقى سؤلاً يلح بنفسه وينتظر إجابة شافية عليه، اذا لم تظهر الاشهر القادمة شيئاً، فهل كان كل  ذلك، ليس إلا مجرد مسرحية، للحصول على موافقة الجمهور على صفقة كهذه؟.  وفي هذه الحالة ستطرح علامات استفهام كثيرة، من المؤكد أن السياسيين في إسرائيل سيسعون للابتعاد عنها. خاصةً وأنه معروف عنهم، أنهم إذا ما شعروا بأن الصفقة ضارة فسيبتعدون عنها، واذا اشتموا رائحة النجاح فسيسارعون الى تبنيها بأسرع وقت ممكن.

الصحف الإسرائيلية أمتلات بالتقارير عن المفاوضات بين اسرائيل و"حزب الله"،  في الاشهر الاخيرة، والتي أجمعت على أن هذه المفاوضات  لم تكن مع الحزب، بل مع قوة أكبر وأكثر جدية منه، بحسب رأي بعض المحليين، ألا وهي ايران. فمنذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، تغيرت القواعد في العالم الشيعي، إذ أن ايران التي تابعت بتباطؤ، المفاوضات، التي جرت على مدى السنين من بعيد، أخذت فجأة دفة القيادة من نصرالله، وحولته الى لاعب فرعي، بل وحتى لوسيط فقط، حسب وصف بعض المحللين.

نجحت ألمانيا  بفضل اصرارها وعلاقاتها، على  حمل حزب الله"  وايران، على قبول صفقة التبادل هذه. فقد وافق "حزب الله" على الصفقة، خشيةً منه أن تصنفه  اوروبا بأنه منظمة ارهابية، كما فعلت واشنطن في السابق. والنظام الإيراني يريد منذ زمن بعيد ان يزيح عن نفسه ملف رون اراد، بعدما حاول نظام طهران  إلقاء تبعية هذا الملف على دمشق، بأن أبلغوا ألالمان في حينها أن اراد ليس على قيد الحياة، وان السوريين سيعيدون جثته، الأمر الذي أثار في حينه حفيظة وغضب الرئيس السوري حافظ الاسد.

بالرغم من عدم وجود أي فرصة، أو أية وعود أو معلومات جديدة، تقود إلى معرفة مصير رون أراد، إلا أن الشعورالسائد في إسرائيل بأن الحكومة الإسرائيلية، موجودة في أكثر النقاط الزمنية تفاؤلاً بالنسبة لهذه القضية، وتبدو ايران  حتى الآن بأنها الجانب الجيد في هذه اللعبة، فقد أسهم التدخل الإيراني بشكل ايجابي في انهاء المفاوضات مع "حزب الله". خاصةً وأنه وعد الجانب خلال المفاوضات، التي أجرتها عناصر من جهاز المخابرات الألماني في طهران،  بهبوب رياح منعشة وودية من جهة الولايات المتحدة الأميركية،  مقابل ما ستقدمه من لفتة إنسانية في قضية الأسرى والمفقودين.

يسود التفاؤل لدى الوسطاء الألمان، أن الأشهر المقبلة ستكون  حاسمة بهذا الشأن، حيث قدروا خلال إحدى المحادثات مع الجانب الإسرائيلي، وهم يعتقدون بأن إيران لن تسمح لنفسها، في الظروف الدولية الحالية، بالتورط مع ألمانيا المقربة منها،  ومن المؤكد أنها سترغب في تحقيق نقاط استحقاق ضخمة من خلال تدخلها الإنساني في حل الأحجية. لقد وعدت ألمانيا خلال الاتصالات ، التي أجراها الوسيط الألماني أورلاو في طهران، بإطلاق سراح أيرانيين تحتجزهم على أراضيها، مقابل التعاون الإيراني في حل لغز أراد. وتم تحديد فترة ثلاثة أشهر لحل هذا اللغز، وهي الأشهر المتبقية حتى موعد إجراء الانتخابات الألمانية. ويبدو أن إيران وعدت أورلاو بمساعدة المستشار شرويدر على تسجيل هذا الانجاز لصالحه خلال فترة ولايته الحالية.

تعتقد الجهات الأمنية الإسرائيلية، أن الإيرانيين سيحاولون التخلص من عدة حدبات سياسية تعيق اندماجهم في المتغيرات الاستراتيجية، التي حدثت في المنطقة منذ الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، خاصة بعد اعترافهم بوجود خطة نووية لديهم،  وأنهم سيسعون بلا شك  إلى تحييد الضغط المتواصل، الذي يتعرضون له في قضية  "رون اراد". حيث أن مصالح ايران في التقارب مع الغرب قوية جدا والمصداقية، التي استطاعت تكريسها في صفقة الأسرى، حساسة جداً، وهي أضعف من ان تسمح لمبادرة محلية في الجبهة اللبنانية ان تعرقلها.

نشب تفاؤل حذر مؤخراً، في الدوائر الأمنية الاسرائيلية، وهناك شعور بأن صانعي القرار، في إسرائيل بدأوا  يخرجون تباعا من جبهة الرفض، ويدركون مغزى الوضع الجديد في المنطقة. وأن من شأن هذا الادراك أن يتسبب في حدوث ما كان مستحيلا ويدفع ايران لانهاء مأساة رون أراد وعائلته. كما أن خروج أسرائيل من موقفها الرفضوي، قد يساهم في أن تنشأ فرصة لتغيير الوضع على الحدود الشمالية مع لبنان.

الشروع في تنفيذ الصفقة، أحدث جلبة في الشارع السياسي الإسرائيلي،وفي اوساط المحللين والمراقبين، فقد أشار الكاتب " ب. ميخائيل" إلى أن من المفيد أن تستخلص إسرائيل من كل هذه القضية، عبرة تقول إنه ليس من اللائق وليس من المناسب أن تبدأ دولة ذات سيادة بلعبة الاختطاف.

ليس هناك ما يكرهه الاسرائيليون أكثر من مواجهة البراهين، التي تربك مداركهم، ولبالغ الأسف، تدعو الحاجة، بين الحين والآخر، إلى جعلهم يواجهون مثل هذا الأمر، عبر الاستعانة ببعض التفاصيل المنسية، التي يمكنها أن تشل، ولو بشكل جزئي، مظاهر الفرح، وتجعلهم يهتزون تحت أنف الرأي العام.

تشكل صفقة التبادل كما يبدو، فرصة أخرى للتذكير بما لا يطيب تذكره. وضرورة البدء بالتذكير، مرة أخرى، بحقيقة أن رون أراد لم يختطف، فهو  وقع في الأسر عندما تم إسقاط طائرته خلال عملية عسكرية،  مما يعني أنه لم يكن "حزب الله" والذي لم يكن  يمتلك في حينه أي مقومات تشبه مقومات وجوده الحالي، هو البادئ بلعبة الاختطاف. إسرائيل هي التي بدأت لعبة "الإختطاف والمساومة"، إذ قرت بعد مرور ثلاث سنوات على وقوع أراد في الأسر، بأن الطريقة المناسبة لمعالجة القضية تكمن في اختطاف "ورقة مساومة". ، وقامت في عام 1989، باختطاف الشيخ عبد الكريم عبيد، وزجه في السجن الإسرائيلي، وبذلك بدأت لعبة عمليات الاختطاف. وفي عام 1994، أقدمت على اختطاف مصطفى ديراني.

واصلت إسرائيل احتجاز ديراني وعبيد والإعلان صراحة أنهما عملة قابلة للاتجار بها وللعرض والطلب مقابل إطلاق سراح أراد. لقد فهمت اسرائيل اخيراً بأن "الأوراق" التي تمتلكها لم تعد رابحة منذ زمن بعيد.

يرى الكثير من المراقبين أن من المفيد أن تستخلص إسرائيل من كل هذه القضية، عبرة تقول إنه ليس من اللائق وليس من المناسب أن تبدأ دولة ذات سيادة بلعبة الاختطاف، إضافة إلى عبرة أخرى تقول، إنه عندما يتم الانسحاب من إقليم محتل، يسود الهدوء.

 

 

 

 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

فلسطين | تحقيقات | رياضة | فن | ثقافة | مقالات | إسرائيل
معرض الصور | سجل الزوار | الأرشيف


© Copyright  2003  AL - DAAR