السنة الأولي    العدد الواحد والعشرون     السبت 14 شباط 2004

 

 

  الصفحة الرئيسية أضف الي المفضلة إتصل بنا

 

العلاقات المصرية الإيرانية

هل من  عودة بعد طول غياب؟

 بالرغم  من أن كلا  من مصر و ايران لديهما الرغبة في عودة العلاقات بينهما  الى  سابق عهدها، غير أن ثمة عوائق  كانت  قبل حلها تبدو في ظاهرها شكلية مثل إطلاق اسم قاتل الرئيس الراحل أنور السادات خالد الإسلامبولي على أحد شوارع طهران، كانت دائماً تعترض على استئناف تلك العلاقات، وفشل كل الوساطات التي بذلت على هذا الصعيد من أكثر من جهة في تجاوز تلك المشكلات.

والآن وقد توافرت النيات الحسنة لدى الطرفين، وأظهرا رغبة حقيقية في تصفية الخلافات بينهما، وإدراكاً منهما أن المصالح المشتركة تتطلب في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها المنطقة أن يعيدا العلاقة الدبلوماسية بين البلدين لسابق عهدها..فهل  بات حل جميع المشكلات القائمة بينهما أمراً يسيراً ؟.

علاقات تاريخية من المد والجزر

تعد العلاقات المصرية الإيرانية، بالمعايير الدبلوماسية، واحدة من أكثر العلاقات الثنائية عراقة في التاريخ الحديث، حيث يعود التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لعام 1856 حيث افتتُح مكتب لتمثيل المصالح الإيرانية في القاهرة.

كما تعرضت العلاقات المصرية الإيرانية لموجات عاتية من المد والجزر طيلة القرن الماضي. فقد تعززت العلاقات الثنائية بين القاهرة وطهران في النصف الأول من القرن العشرين حين وقّعتا على معاهدة صداقة عام 1928، كما بلغ التقدم في العلاقات بين الدولتين ذروته عام 1948.

غير أنه سرعان ما بدأت العلاقات بينهما تتراجع حين جرى الطلاق الملكي عام 1949، كما زادت حدة هذا التراجع إلى أن وصل ذروته حين تشكل حلف بغداد عام 1955 الذي ضم بالإضافة لبغداد طهران وأنقرة.

وكان من أبرز أهداف هذا الحلف مواجهة الثورة المصرية بقيادة الراحل جمال عبد الناصر الذي نادى بالقومية العربية طريقاً للتحرر من السيطرة الاستعمارية التي كان الكثير من البلدان العربية والإفريقية ما زال يرزح تحت وطأتها.

وترسّخ النفور بين البلدين في حقبة الستينات، حين اتهم الشاهنشاه "رضا بهلوي" مصر بالوقوف وراء أحداث ثورة "خرداد" التي جرت ضده في يونيو عام 1963، كما اتهم قادة الجبهة الوطنية الإيرانية رجال "جبهة ملي" المعارضة لحكمه وبخاصة مهدي بازركان وآية الله العظمى السيد محمود طالقاني "بالعمالة" للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وزادت العلاقات بين البلدين تدهوراً حين استضافت مصر شاه إيران المخلوع بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران على نظام حكمه، كما وصلت حد القطيعة احتجاجاً على توقيع مصر على معاهدة سلام مع إسرائيل.

وفي المقابل اتهمت مصر إيران بمحاولة تصدير الثورة الإيرانية للخارج ودعم الحركات الإسلامية المتطرفة لزعزعة الاستقرار في مصر، كما تزايدت حدة التوترات بين البلدين بسبب الحرب العراقية الإيرانية ومساندة مصر للعراق حيث قامت بمد العراق بالعتاد الحربي وبخاصة الصواريخ.

وظل الصراع بين مصر وإيران خلال الثمانينات من القرن الماضي هو الطابع الأبرز الذي ميز العلاقات بينهما. فقد دأبت السياسة المصرية في تلك الفترة على اتهام ايران بدعم الجماعات الإسلامية المصرية وتمويلها لممارسة دور سياسي مناهض للنظام المصري، كما كان ساسة النظام الثوري الإيراني ورجال الإعلام الإيرانيين يركزون – في المقابل – على تمتين العلاقات مع الدول العربية وحصر الخلافات معها عبر التقارب مع المملكة العربية السعودية.

 الرئيس خاتمي.. وتحسين العلاقات

لكن الأحوال في إيران بدأت تتبدل على المستويين الداخلي والخارجي مع تسلم التيار الإصلاحي الذي يتزعمه محمد خاتمي للحكم في طهران، الذي أظهر حرصاً شديداً على إعادة العلاقات مع مصر.

وقد تمثل ذلك في اللقاءات التي تمت بين مسئولين من الدولتين، والتي لم تنجح في رفع التمثيل الدبلوماسي بين القاهرة وطهران من مستوى "مكتب رعاية المصالح" إلى مستوى "سفارة"، كما لم تتجاوز أيضاً التعاون الاقتصادي الضعيف بينهما الذي ساد تلك الفترة.

ويرى المراقبون لمجرى العلاقات بين البلدين، أن المسئولين فيهما باتوا الآن على قناعة تامة بضرورة إعادة التمثيل الدبلوماسي بينهما، إدراكاً منهم بأن الظروف السائدة في المنطقة والعلاقات الدولية التي تنتظم المجتمع الدولي الذي أصبح يعيش في عالم أحادي القطب، تفرض على الدولتين العمل الحثيث على تجاوز كل العقبات التي تحول دون استئناف العلاقات الطبيعية بينهما، حتى يكونا عامل توازن في هذا المنطقة.

وفي هذا الاتجاه، يلاحظ هؤلاء المراقبون أن السياسة المصرية تستهدف من وراء إعادة العلاقات مع إيران، تحقيق أهداف عدة من أبرزها إصلاح الخلل الذي أصاب توزيع الأدوار بين دول المنطقة، حيث يمثل غياب دور العراق واحتلاله تهديداً لتوازن القوى الذي كان قائماً في منطقة الشرق الأوسط بعامة، كما يمثل تهديداً جاداً لدور مصر ومصالحاً في المنطقة، وهو خطر تحتل مناهضته تقليدياً صدر الأولويات الاستراتيجية المصرية.

وحين وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، دخلت إيران فصلاً جديداً من صراعها مع الغرب، حيث اعتبرها الرئيس الأمريكي واحدة من دول "محور الشر" وهي: العراق وإيران وكوريا الشمالية، التي اتهمها بالسعي لحيازة أسلحة دمار شامل ومحاولة تصنيعها، الأمر الذي يهدد – في نظر بوش – الأمن القومي الأمريكي ويعرض السلم العالمي للخطر.

وهذا ما يفسر إعلان القيادة الإيرانية المتكرر بالتزام إيران الحياد حيال الحرب التي شنتها أمريكا على العراق والتي أسفرت عن احتلاله وإسقاط نظام صدام حسين الحاكم فيه.

غير أن هذا الموقع الإيراني لم يقنع الأمريكيين برغبة القيادة الإيرانية في إصلاح ذات البين مع الغرب قاطبة، حيث كثفت أمريكا – بعد انتهاء الحرب – ضغوطها لعزل إيران دولياً، كما سعت طهران من جانبها للخروج من هذه العزلة بإعلان قبولها التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من الانتشار النووي الذي يسمح بالتفتيش المفاجئ على منشآتها النووية، والذي جاء نتيجة الزيارة التي قام بها وفد "الترويكا" الأوروبية الذي تألف من وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا لطهران، ونتيجة اقتناعه بأن البرنامج النووي الإيراني ليس مؤهلاً لإنتاج أسلحة نووية، وإما هو موجه بالكامل للاستخدام المدني.

ويرى المحللون السياسيون أن رؤية طهران للطريق الذي يعينها في الخروج من عزلتها الدولية، لا يمكن أن يتم على النحو الذي ترجوه دون أن تحسن من علاقاتها مع دول المنطقة وبخاصة السعودية ومصر.

وانطلاقاً من هذه الرؤية استطاعت طهران أن تقيم علاقات طبيعية مع دول الخليج وبخاصة مع الرياض، الأمر الذي يعتبر إنجازاً هاماً على الطريق نحو تطبيع العلاقات مع مصر التي ينظر إليها على أنها من أهم المحطات التي تعينها في تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب بعامة، لما تتمتع به من مكانة على الساحتين الإقليمية والدولية. 

جهود إيرانية مكثفة لتحسين العلاقات

وهكذا نرى أن الاتصالات بين مصر وإيران قد تواصلت وبشكل مكثف خلال الشهور الماضية، ما أسفر عن اللقاء التاريخي جرى بين قيادتي البلدين الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الإيراني محمد خاتمي خلال انعقاد قمة الأمم المتحدة للمعلومات في جنيف الشهر الماضي، والذي تم بمبادرة من خاتمي، وكثمرة للمجهودات السابقة التي بذلت على هذا الصعيد.

ولعل مسارعة مصر لتقديم المساعدات الإنسانية لإيران إثر الزلزال المدمر الذي وقع في مدينة "بام" التاريخية، جاءت لتدلل على صدق المشاعر الحميمة التي كانت دوماً تجمع بين البلدين، ولتكون مؤشراً على حرصهما على استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما.

كذلك، يعتبر إعلان بلدية طهران موافقتها على طلب وزارة الخارجية الإيرانية بتغيير الشارع الذي يحمل اسم خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس الراحل أنور السادات، وهو أحد الأسباب التي حالت دون استئناف العلاقات بين البلدين منذ عام 1980.. يعتبر خطوة هامة على الطريق نحو تهيئة الأجواء التي تعين على استئناف تلك العلاقات.

وفي هذا السياق، يرى المحللون السياسيون، أن حرص إيران الشديد على استئناف علاقاتها مع القاهرة، إنما يمثل خطوة هامة نحو طموحاتها في بناء شبكة علاقات خارجية على المستويات الإقليمية والعربية والإسلامية والدولية، ومحاولتها الانتقال من شرعية الثورة التي طغت على ملامح النظام في طهران منذ انتصار الثورة الإسلامية إلى شرعية الدولة، التي يعتبرها الإصلاحيون المرتكز الرئيس لسياستهم الداخلية.

ويعتقد المحللون أن القيادة السياسية في طهران تأمل في أن يعين هذا التحول على تسريع انفتاح السياسة الخارجية الإيرانية على المجتمع الدولي بكامله، كما تأمل – من وراء إقامة علاقات وطيدة مع القوتين الكبريين في المنطقة مصر والسعودية – بتطبيع علاقاتها مع الدول العربية والأجنبية التي لها علاقات طيبة معهما، وهو هدف هام من أهداف السياسة الخارجية الإيرانية.

 مرحلة جديدة من العلاقات

يرى المراقبون أن العلاقات العربية الإيرانية بعامة والعلاقات الإيرانية المصرية بصفة خاصة، تمر حالياً بمرحلة مهمة وهي قيام القيادة الإيرانية بإعادة تقويم وتطوير المنطلقات والركائز استندت إليها الثورة الإسلامية في إدارة تلك العلاقات منذ اندلاعها وحتى اللحظة الراهنة.

وعلى الرغم من أن كثيراً من التحليلات السياسية تُرجع أسباب هذا التطور لوجود الرئيس محمد خاتمي على رأس السلطة في إيران وانتهاجه منحى إصلاحياً على الصعيد الداخلي وعلى صعيد علاقات إيران بالعالم الخارجي، غير أن التطورات السريعة التي لحقت بالعلاقات الدولية في ظل العولمة من ناحية، وبزوغ فجر نظام عالمي أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة التي تناصب إيران العداء.

تعتبر من الأسباب الرئيسة التي تدفع بالقيادة الإيرانية الحالية للانفتاح في علاقاتها الخارجية على كافة المستويات، وبخاصة مع العالم العربي الذي تتزعمه مصر التي تتمتع بخصائص جيوسياسية وديمغرافية متميزة.

 

 

 

 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

فلسطين | تحقيقات | رياضة | فن | ثقافة | مقالات | إسرائيل
معرض الصور | سجل الزوار | الأرشيف


© Copyright  2003  AL - DAAR