|
محاولة إسرائيلية لتشويه دوافعها:
الشهيدة ريم الرياشي: عندما تتهاوى العادات والتقاليد أمام
"المصلحة الوطنية"
كتبت
هيام حسان
بخطواتٍ جادة مستقيمة كانت سيدة في مقتبل العمر، ترتدي جلباباً
أسود وغطاء رأس طويلاً ينسدل على كتفيها وصدرها تسير في شارع داخلي
قبل أن تلج إلى أحد المنازل الواقع على الشارع الرئيس من بابه
الجانبي.
في
إثرها كانت أخرى على الهيئة نفسها وإن بدت أكبر سناً وترتدي معطفاً
طويلاً قاتم اللون فوق الجلباب الأسود، تحسباً من أن تهطل الدمعة
المتحجرة في عيون المدينة منذ ساعات الصباح، ولجت هي الأخرى من
الباب الجانبي وأغلقته وراءها.
وراء
الباب، وفي باحة المنزل الذي لم يكن إلا بيت أشقاء الشهيدة ريم
الرياشي منفذة العملية التفجيرية في معبر "ايرز" الأربعاء الماضي،
كانت مجموعة من النسوة يلزمن الصمت على المقاعد البلاستيكية التي
بدا كأنها استقدمت على عجل لتؤدي غرضاً طارئاً ومفاجئاً.
البحر
الرابض في مواجهة المنزل في حي الشيخ عجلين في مدينة غزة شارك هو
الآخر في حفلة الصمت، الذي ربما كان له مسمى آخر يصلح لوصف الحال
عندما لا يكون بالامكان إطلاق الصفة أو نقيضها على وضع معين.
وبالنسبة إلى جمع النسوة في ذلك اليوم، الذي صادف اليوم التالي
للعملية التفجيرية، حيث يقدم الناس واجب العزاء أو التهاني كما
يفضل بعض ذوي الشهداء اعتباره، كان سبر أغوار الوضع للخلوص بوصف له
صعب للغاية، فلا وجود للابتسامات ولا الدموع، ولا مكان للكلمات
السعيدة أو تلك الحزينة، وكأن المكان يقع في منطقة محايدة لم تحدد
هويتها بعد.
بين
الفينة والأخرى تدخل زائرة جديدة، تتمتم بكلمات غير واضحة وهي تسلم
على ذوي الشهيدة، بينما تنشغل الأخريات بمراقبتها.
وحدها
أم الشهيد محمد العابد أضفت جديداً على الوضع القائم عندما أخذت
تستذكر بصوتٍ عالٍ مآثر ابنها الشهيد وأيامه الأخيرة، قبل أن
تختتم: "ريم الرياشي رفعت رؤوسنا جميعاً يا نسوة، وشدت على يدي
المرأة العجوز التي كانت تجلس إلى جانبها، فافتر ثغر هذه أخيراً عن
ابتسامة خفيفة ورشت بعينيها علامة الاستحسان والتأييد".
وما
لبثت المرأة التي لم تكن سوى والدة الشهيدة ريم أن حركت لسانها
ببعض كلمات أخرى، عندما وجدت نفسها محاصرة بطلبات لحوحة من
الحاضرات لتتحدث عن (أم محمد) فباعدت من جو الصمت الذي كان سائداً.
وقالت: "كانت ابنتي.. كانت عادية.. عادية جداً، ويعني ذلك أن ريم
كانت مثلها مثل "الأخريات"، ترتدي الجلباب، قاتم اللون غالباً،
وتستغرقها حياة البيت ومطالب الزوج والأطفال (لها طفلان ضحى
ومحمد)، لا طموح لديها في الحياة خارج أسوار بيتها إلا من خلالهم،
بل هي تتفوق على غيرها في هذا النهج، لقد اكتفت من التعليم
بالثانوية العامة وفضلت الزواج على إكمال تعليمها الجامعي، ولم
تفكر في أن تعمل يوماً".
لكن
الكثيرين جدّوا في البحث عن أسباب قد تقف وراء إقدام ريم على
القيام بالعملية وهي الأم لطفلين، أصغرهما رضيع، وقال البعض أنها
أرادت أن تنتقم من رب عملها في المنطقة الصناعية، لكن الأم نفت
بشدة أن تكون ابنتها خرجت يوماً من بيتها للعمل أصلاً، وقالت: لا
لا لا.. أعوذ بالله!!
ورجح
البعض أن يكون السبب ضيق ذات اليد، حيث زوجها عاطل عن العمل، فقالت
أمها أن زوجها غير عاطل وهو يعمل منقذاً بحرياً.
وأعرب
البعض الآخر عن استغرابه من خلو أي أثر للاعتداءات الإسرائيلية على
عائلة ريم، ما يعني أن دوافعها لم تكن قائمة على رغبة الانتقام
لضرر أو أذى لحق بها أو بعائلتها من قبل الاحتلال كما كان حال
البعض قبلها، فقد ظلت عائلتها واحدة من عائلات قلة في الوطن في
مأمن من اعتداءات الاحتلال.
أما
أمها فاستغربت أمر انتمائها إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام
وقالت: "لم نعرف عنها شيئاً من هذا القبيل، كانت مثلنا تكثر من
الصوم والصلاة، وتصوم الاثنين والخميس، هذا كل شيء".
واستذكرت: "زارتنا قبل وقوع العملية بأيام عدة، ولم يكن يوماً
يوافق الاثنين أو الخميس، لكني وجدتها صائمة فعجبت لذلك، وعندما
علمت أنها اعتزمت أن تصوم الأسبوع بأكمله باركت لها الأمر".
وأضافت: "لم أصدق الخبر عندما وصلني نبأ العملية، فلم أكن أضع ذلك
في حسباني يوماً، كان ريم.. مثلنا!!".
وعززت
واحدة من قريباتها قولها وأكدت أن ريم لم تكن تخرج من بيتها إلى
قليلاً، وأنه لم يعرف عنها حتى ترددها على المساجد.
وعلى
ما يبدو فإن الوازع الوطني الصرف لم يعد سبباً كافياً بالنسبة إلى
بعض الفضوليين الذين يعتقدون أنه لابد من دوافع وأسباب أخرى
"شخصية" في غالب الأحيان كي يُقدم شخص ما على التضحية بنفسه ومصير
أسرته.
وفي
حالة ريم، زاد صمت أفراد عائلتها وزوجها الأمر غموضاً، ولم تكفِ
رسالتها المسجلة وبعض الكلمات القليلة التي خرجت عن المقربين لها
للجم الأسئلة المتكاثرة عن حقيقة دوافعها للتضحية بنفسها والتسبب
في يتم مبكر لطفليها.
وتمادى الجانب الإسرائيلي في طرح الأسئلة حول الدوافع، ولجأ كما
فعل في مرات سابقة إلى التشكيك في "الصورة الأخلاقية" للشهيدة،
ونقلت تقارير صحفية إسرائيلية عن مصادر عسكرية غير محددة معلومات
شائنة حول الأسباب التي دفعت ريم إلى القيام بعمليتها.
ومفاد
هذه الأسباب الأقرب إلى الافتراءات بالنظر إلى تكرار استخدامها من
قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن الرياشي إنما قامت بعمليتها
تطهراً من جرم خيانتها لزوجها.
وتثير
مثل هذه الافتراءات القرف في أوساط الفلسطينيين الذين خبروا
الأساليب الإسرائيلية في النيل من منجزاتهم وهاماتهم الوطنية، رغم
عجزهم عن استيعاب النقلة الهائلة في العمل العسكري لحركة المقاومة
الإسلامية "حماس" ولجوئها إلى استخدام امرأة في عملية فدائية لأول
مرة، ما قد يشي بتحولات فكرية جذرية في الحركة أو "برغماتية" صارخة
لم تشهدها من قبل.
ويعتبر هذا تحولاً عن الاستياء الذي أبداه الشيخ أحمد ياسين مؤسس
حركة "حماس" وزعيمها الروحي خلال مقابلة صحافية أجريت معه عقب أول
عملية فدائية تقوم بها استشهادية فلسطينية "وفاء ادريس".
واستبعد الشيخ ياسين في المقابلة كلياً أن تقدم "حماس" على خطوة من
هذا النوع، مسهباً في الحديث عن الأدوار الاجتماعية "الجليلة" التي
تناط بالمرأة حسب تصور الحركة وتنأى بها عن جهاد العدو الإسرائيلي
على نحو ما فعلت ادريس.
ويملك
البعض الجرأة للقول أن إقدام "حماس" على إفساح المجال للنساء
للمشاركة في عملياتها العسكرية على هذا النحو وبينهن الأم مثل
الرياشي لابد أن يترافق مع تطور موازٍ في نظرة الحركة للحقوق
الاجتماعية للمرأة، طالما أن الخروج من حلقة "الدور الإنجابي" ممكن
إذا لزمت المصلحة.
لكن
هؤلاء يفضلون عدم التصريح بذلك لوسائل الإعلام، أو يفضلون عدم ذكر
أسمائهم، خاصة وأن الأمر ما يزال يكتنفه الكثير من الغموض وما تزال
حيثياته غير واضحة تماماً.
وقالت
إحدى الناشطات النسويات: الأمر معقد ومتشابك، والحديث فيه له أبعاد
متعددة ومتداخلة، يصعب البت في أحدها دون الآخر، مستدركة: لكن موقف
حماس الجديد كان مفاجأة للجميع بالنظر إلى الأفكار والمواقف التي
تميزها.
|